اسماعيل بن محمد القونوي
89
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
فح لا يكونان بعضا من الملك الأول فالمقابلة بين هذا وبين كون المراد بالملك التصرف في الأمور واضحة مرضه لأن إطلاق الملك على النبوة مجاز فلما أمكنت الحقيقة لا يصار إلى المجاز وأيضا لا قرينة على إرادته ومذاق الكلام على المعنى الأول والأولى ( ونزعها نقلها من قوم إلى قوم ) من شخص إلى شخص ولا يظهر حسن هذا النقل إذ النبوة غير منقولة من أحد إلى أحد ومن قوم إلى قوم لأن لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً [ المائدة : 48 ] وبهذا ظهر ضعف هذا المعنى أيضا . قوله : ( في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما بالنصر والإدبار ) ضد النصر ( والتوفيق والخذلان ) كما أن الخذلان ضد التوفيق وهذا نشر مرتب على اللف وهذا دائر على المشيئة إذ رب فقير يغلب وقعه في القلوب يعظمه كل ملك ورب ملك لا وقع له في القلوب ويكون ذليلا في الأعين فسبحان من دقت حكمته إذ الأمر في هذا الزمان كذلك واللّه المستعان فيما هنالك . قوله : ( ذكر الخير وحده لأنه المقضي بالذات والشر مقضي بالعرض ) هذا مذهب الفلاسفة والمتفلسفة فإنهم قالوا الخير واقع بالقصد الأول والشر داخل في القضاء دخولا بالتبع والعرض لما أن بعض ما يتضمن الخيرات الكثيرة قد تستلزم الشر القليل وكان ترك لكن من رزق الحي حرم الغنى * ضدان مفترقان أي تفرق ومن الدليل على القضاء وكونه * بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق أقول فحينئذ يجب على الإمام أن يجيب عن تمسكهم بقوله تعالى : لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [ البقرة : 124 ] بأن يقال المراد بالعهد النبوة والإمامة الكاملة ولا شك أنهما لا يؤتيان للظالم وأما ما يؤتى الظالم من السلطنة والاستيلاء الذي غير النبوة والإمامة فهو بإيتاء اللّه تعالى فالعهد في الآية لا يتناول ما يؤتى الظالمين . قوله : بالنصر والإدبار والتوفيق والخذلان لف ونشر فإن النصر والتوفيق ناظران إلى تعز والإدبار والخذلان ناظران إلى تذل . قوله : ذكر الخبر وحده أي لم يذكر معه الشر حيث لم يقل بيدك الخير والشر لأن الخير مقتضى بالذات والشر مقتضى بالمعرض وجه كونه مقضيا بالعرض أن الشيء الذي الخير فيه غالب على الشر مقصود ويرده لذلك الخير الغالب يد فقضى في ضمن ذلك الخير الغالب الشر القليل تبعا لأن الشر مقصود أصلي ولا يجوز ترك الخير الكثير لأجل الشر القليل ولذا قالوا ترك الخير الكثير لأجل الشر القليل شر كثير وهذا هو مراد المص من قوله إذ لا يوجد شر جزئي ما لم يتضمن خيرا كليا وتحقيقه أن الأشياء باعتبار الشر وعدمه تنقسم إلى خمسة أقسام القسم الأول ما لا شر فيه أصلا والثاني ما يغلب خيره على شره والثالث ما يكون محضا لا خير فيه أصلا والرابع ما يكون شره غالبا على خيره والخامس ما يتساوى فيه الخير والشر والموجود من هذه الأقسام في العالم هو القسم الأول والثاني لأن المبدأ الفياض جواد وفيضانه لحكمة والحكمة ألا تقتضي إلا الخير المحض والخير الغالب والشر فيه مغمور فكان إطلاق الخير متضمنا للشر في صورة فلا تحتاج إلى ذكره هذا ما ذكره العلماء الإسلاميون .